قريباً تطبيق عدن أف أم نيوز للجوال
للحصل على جديد الاخبار

همس اليراع الفساد . . . هذا الداء القاتل*

- تصغير الخط + تكبير الخط
كتب/د. عيدروس نصر
أشير في البدء إلى أنني لست معترضاً على  تولي أي ناشط جنوبي من أي مستوى من مستويات القيادة الجنوبية السياسية والعسكرية لأي منصب في الحكومة الشرعية، بغض النظر عما إذا كان ناوي ان يتمسك بمضامين القضية الجنوبية، او يرمع التخلي عنها مقابل توليه هذا المنصب او ذاك، فالمسألة ترتبط بخيارت الناس الحرة وليست بالإكراه او الابتزاز، ومن هنا يأتي احترامي لخيارات الزميل المحامي علي هيثم الغريب السجين السابق والناشط المعروف ومن أوائل الداعين إلى حق الجنوبيين في استعادة دولتهم وفك الارتباط بين الدولتين اليمنيتين التين دخلتا في عقد الوحدة في العام 1990م وفشلتا فيه في العام 1994م بعد أربع سنوات من التوتر والاضطرابات والمواجهات السياسية والمسلحة.
احترامي لاختيارات الزميل الغريب بقبول منصب وزير العدل في الحكومة الشرعية لا يلغي حقي في الاختلاف السياسي معه أو مع أيٍ من ممثلي الشرعية أو غيرهم فيما يخص القضية الجنوبية وهذا ما سنتوقف عنده في مقام آخر.
ولأنني أعرف حجم التحديات التي تنتصب أمام الزميل المحامي الغريب، وأمام جهازي القضاء والنيابة العامة فلا يسعني إلا أن أتمنى لزميلي ووزارته التوفيق في مواجهة هذه التحديات، وأتمنى أن تتاح أمامه الفرصة ليعمل بصورة مستقلة بعيداً عن التدخلات والضغوط المعتادة في هذا البلد من أي نوع كانت.
*    *    *
تابعت باهتمام حديث الزميل الوزير علي هيثم الغريب لقناة "أبو ظبي" في إطار برنامجها الإسبوعي "اليمن في إسبوع"، والذي تركز في معظمه على موضوع الفساد ومواجهته في ظروف اليمن الراهنة.
وبعيدا عن الخوض في التفاصيل المتعلقة بحديث الأخ الوزير عن هذه الآفة المزمنة يمكن التعرض للحقائق التالية:
• إن الفساد في اليمن ليس حالة طارئة ظهرت فجأة وانتشرت في فترة زمنية معينة أو أنها حالة قابلة للمواجهة والتقليص والاستئصال بمجرد اتخاذ القرار السياسي، بل إنه ظاهرة تاريخية ملازمة للدولة اليمنية منذ عهد الأئمة وقد ازدهر الفساد في العقود الأخيرة لأسباب سنتعرض لها لاحقا، وبالتالي فإن الحرب على الفساد لا يمكن أن تنحصر على الجانب القانوني والقضائي ما لم ترافقة ثورة أخلاقية وثقافية وسياسية تقضي على ثقافة الفساد والإفساد وتنمي قيم النزاهة والاعتزاز بالشرف والكرامة والاستقامة.
• إن الفساد في اليمن ليس قضية سلوكية / أخلاقية، بل هو نهج سياسي جرت تغذيته وتنميته وتحويله إلى ممارسة سياسية يتم عبرها تجريف الأخلاق وإفساد الذمم وتخريب البناء القيمي للإنسان ومن ثم الاطمئنان على عدم تعريض الحاكم لخطر المساءلة، وهناك مقولة مشهورة للأستاذ عبد القادر با جمال رئيس الوزراء اليمني الأسبق (شفاه الله) ملخصها: إن الفساد زيت التنمية، وله مقولة أخرى فحواها : أن من لم يغتنِ (بمعنى يصير غنياً) في عصر علي عبد الله صالح، لن يغتني أبداً.
• إن الفساد في اللحظة الراهنة وهو امتداد لمرحلة ما قبل 2012م، وما سبقها من مراحل، إنما أخذ في التمدد والانتشار كالعدوى المستفحلة، نتيجة للتغييب الكامل (وربما المتعمد) لأجهزة النيابة والقضاء والرقابة، ونشوء حالة من الازدواجية بين وجود صلاحيات ومهمات ومخصصات وتوظيفات وتعيينات، وغياب نظام المساءلة، فقد نجد وزارة أو مصلحة حكومية، تبلغ مخصصاتها مليارات وربما عشرات ومئات المليارات، لا وجود لها على الأرض إلا من خلال الوزير ومجموعة الأعوان (من النواب والوكلاء ومدراء العموم) الذين لا يداومون إلا يوم استلام الراتب، وأحيانا يوم اجتماع مجلس الوزراء، وهذه يمثل بوابة مفتوحة على مصراعيها لفساد قد لا يعرف النهاية.
• ومن المهم الاعتراف أن الفساد ليس وافداً غريباً على جسم منظومة الحكم، بل هو جزء أصيل من هذه المنظومة، بمعنى أن أساطين الفساد ليسوا من خارج منظومة الحكم بل إن من كانوا منهم كذلك إنما يعملون من خلال شركاء لهم في أقوى المراكز السلطوية، وعلى من يفكر بمحاربة الفساد أن يعد نفسه وجيوشه لمواجهة صناع القرار وأولادهم وأقربائهم، الذين يحمون الفساد ويتقاسمون عائداته فيما بينهم ومع الشركاء القلة من خارج الحكم.
• وأخيرا لقد عاش الجنوب فترة من الزمن كان فيها مجرد عرض سيجارة واحدة او كأس قهوة على موظف حكومي أثناء تأدية عمله، يعتبر جريمة فساد قد تقود صاحبها إلى قاعات المحاكم، لكن الموظف الحكومي (المعروض عليه) كان هو من يقودك إلى المحكمة وليست أجهزة الرقابة أو النيابة او الاستخبارت، بمعنى آخر إن هذا كان مرتبط بوعي القائمين على شؤون الدولة، صغارهم وكبارهم، بأهمية الاعتزاز بقيم الشرف والعفة والنزاهة واحترام الذات وتجريم الرذيلة والتقزز منها، ولم يكن القانون والصرامة الإدارية وتكريس نظام المحاسبة إلا رديفا لهذه القيم التي كانت تعتمل وتنمو وتنتشر بين الناس بفعل صناعة القدوة وتكريس ثقافة "المثل الأعلى" وهو ما نفتقده اليوم في ظل ثقافة "حمران العيون" و"حق ابن هادي" ولا أمل في استعادته إلا بقلب منظومة القيم كاملة وفي إطار حل شامل للقضية المحورية التي يناضل الجوبيون من أجلها.
وهذا ما تناولناه عشرات المرات وسنواصل الحديث فيه في مناسبات لاحقة إلى أن يحق الله الحق ويزهق الباطل "إن الباطل كان زهوقا".
____________
* من صفحة الكاتب على فيس بوك